
أصبحت إدارة الفرق الموزعة في دول مجلس التعاون الخليجي واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الشركات مع تسارع توسعها في أسواق المنطقة. فالمؤسسات تفتتح مكاتب جديدة بوتيرة أسرع بكثير من قدرتها على توفير الكفاءات والعمليات والبنية التحتية اللازمة لدعم هذا النمو. ومن الناحية التجارية يبدو هذا التوسع خطوة منطقية، لكن الجانب الإنساني داخل المؤسسة غالبًا ما يتأخر عن مواكبته بما يتراوح بين 12 و18 شهرًا، وهنا تبدأ ملامح الثقافة المؤسسية بالتصدع.
فالسرعة هي جوهر المشهد. إذ يُعد مجلس التعاون الخليجي اليوم واحدًا من أسرع البيئات الاقتصادية نموًا في العالم؛ ففي المملكة العربية السعودية وحدها، ارتفع عدد السجلات التجارية الجديدة بنسبة 48% خلال الربع الأول من عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. لكن عندما يتجاوز النمو قدرة الأنظمة الداخلية على الحفاظ على ترابط الفرق الموزعة في دول مجلس التعاون الخليجي، يبدأ الموظفون بالشعور بأنهم يعملون لدى الشركة نفسها دون أن ينتموا فعليًا إلى مؤسسة واحدة. وينتج عن ذلك نوع خاص من الخلل التنظيمي؛ فرق تحمل اسم الشركة ذاته، لكنها لا تتشارك التجربة نفسها ولا الإحساس الحقيقي بما يعنيه العمل فيها.
ومع ازدياد الاعتماد على العمل الهجين في الخليج وازدياد انتشار إدارة الفرق عن بُعد، لم يعد النجاح يعتمد على توفير أدوات التعاون الرقمية فحسب، بل أصبح مرتبطًا بقدرة المؤسسة على بناء ثقافة عمل موحدة تعزز الانتماء والثقة بين الموظفين مهما تباعدت مواقعهم.
وهذه ليست مشكلة تخص الموارد البشرية في المقام الأول، بل هي تحدٍ قيادي قبل كل شيء. فالثقة بين الفرق المتباعدة جغرافيًا لا تنشأ تلقائيًا، بل تحتاج إلى هياكل واضحة، وإيقاع عمل منظم، وعادات إدارية مدروسة تُبنى عن قصد. وهنا يبرز تطوير القيادة في بيئة العمل الهجين بوصفه عاملًا أساسيًا لضمان استمرارية الأداء وتعزيز التعاون بين الفرق.
في أي مؤسسة تعمل عبر عدة مواقع، ترتبط فرص التطور المهني بدرجة الظهور أمام صناع القرار. فالموظفون الأقرب إلى مراكز اتخاذ القرار، سواء بحكم الموقع الجغرافي أو قوة العلاقات، يكونون غالبًا أول المرشحين للترقيات، والمشروعات الاستراتيجية، وفرص الرعاية المهنية. أما العاملون في الفروع البعيدة، أو المدن الثانوية، أو الأسواق الجديدة، فيحصلون على المهام، لكنهم لا يحظون بالقدر نفسه من الحضور والتأثير.
وفي بيئة ثقافة العمل في الخليج، تتخذ هذه المشكلة طابعًا أكثر وضوحًا؛ إذ تتركز القرارات الاستراتيجية عادةً في المقر الرئيسي، بينما يُطلب من الفرق في المواقع الأخرى تنفيذ قرارات لم تتح لها فرصة الاطلاع على خلفياتها أو المشاركة في صياغتها.
ولو تحدث المديرون بصراحة، فسيعترف كثير منهم بأنهم لا يشعرون بثقة كاملة عند تقييم أداء الفرق التي تعمل عن بُعد. ونتيجة لذلك، يُقيَّم العديد من الموظفين اعتمادًا على مؤشرات غير مباشرة، مثل سرعة الاستجابة، وتوافرهم المستمر، وعدد الاجتماعات التي يحضرونها، بدلًا من تقييم إسهاماتهم الفعلية وأثرهم الحقيقي في العمل. وهذه مشكلة قد تؤدي، مع مرور الوقت، إلى ارتفاع معدلات فقدان الكفاءات.
ويكمن الحل في تعزيز الظهور المؤسسي المنظم؛ أي بناء آليات تضمن حضور الموظفين خارج المقر الرئيسي في النقاشات المتعلقة بالمواهب، والتطوير الوظيفي، والفرص المستقبلية، بحيث لا تحدد الجغرافيا وحدها من يُرى ومن يُمنح الفرص. كما أن نجاح إدارة الفرق الموزعة يعتمد على منح جميع الموظفين فرصًا متكافئة للمشاركة والتأثير، بغض النظر عن مواقعهم الجغرافية.
الترقية أمر، أما الحضور في المكان الذي تُتخذ فيه القرارات فهو أمر مختلف تمامًا، وهنا تقع معظم الشركات في خطأ لا تدركه. فكل مؤسسة تعمل عبر عدة مواقع تمتلك بطبيعتها مركزًا تدور حوله عملياتها. ففي المقر الرئيسي تتراكم الثقافة المؤسسية، وتُصنع القرارات، وتتشكل الذاكرة التنظيمية. وهذا أمر طبيعي في حد ذاته.
لكن المشكلة تبدأ عندما يغيب هذا الواقع عن إدراك من يقودون المؤسسة، بينما يشعر به بوضوح الموظفون في الفروع الأخرى. فكثيرًا ما تصل القرارات إلى الفرق خارج المقر الرئيسي متأخرة، مصحوبة بقدر محدود من المعلومات والسياق، ومن دون أن تتاح لهم فرصة الإسهام في صياغتها أو التأثير فيها.
ومع تكرار مثل هذه المواقف، تبدأ الثقة بالتراجع تدريجيًا. فالشعور المستمر بالاستبعاد من مجريات الأمور هو ما يدفع الموظفين المتميزين إلى فقدان ارتباطهم بالمؤسسة، ثم التفكير في مغادرتها.
أما المؤسسات التي تنجح في إدارة هذا التحدي، فتنظر إلى مشاركة المعلومات باعتبارها عملية تشغيلية أساسية، وليست مجرد نشاط تواصلي. فهي تحدد بوضوح ما يجب مشاركته مع جميع المواقع، ومن المسؤول عن ذلك، ومتى ينبغي أن يتم. كما تتعامل مع أي غموض يتعلق بتوجهات المؤسسة على أنه خطر قد يؤثر في أداء الفريق، وتسعى إلى معالجته من جذوره قبل أن يتفاقم. ويُعد هذا النهج أحد الأسس التي يعتمد عليها دور المدير في الفرق الموزعة، إذ لا يقتصر دوره على إدارة المهام، بل يشمل ضمان وصول المعلومات إلى جميع أفراد الفريق بالقدر نفسه من الوضوح والشفافية.
تعتمد ثقافة العمل في الخليج، في جوهرها، على العلاقات الإنسانية. فالثقة تُبنى من خلال اللقاءات المباشرة، والقرارات كثيرًا ما تسبقها جلسة قهوة، والعلاقة الشخصية بين الأفراد ليست مجرد عنصر داعم للعمل، بل هي في كثير من الأحيان الأساس الذي تقوم عليه إنجازاته. غير أن بناء هذه العلاقة يحتاج إلى الوقت وإلى الحضور الفعلي، حتى في ظل انتشار العمل الهجين في الخليج.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام الفرق الموزعة. فالعناصر غير الرسمية التي تمنح بيئة العمل طابعها الإنساني، مثل الأحاديث العابرة في الممرات، واللقاءات الودية بعد الاجتماعات، والتجربة المشتركة للعمل في المكان نفسه خلال شهر رمضان، يصعب نقلها أو تكرارها عندما تتوزع الفرق بين مدن مختلفة. ومع ذلك، يظل نجاح العمل معتمدًا على وجود قدرٍ كافٍ من الثقة بين الأفراد، يسمح لهم بالتحدث بصراحة عن المشكلات، ورفع المخاطر في الوقت المناسب، والتعاون بفاعلية حتى مع زملاء لم يسبق لهم اللقاء وجهًا لوجه. ويزداد هذا التحدي أهمية في المؤسسات التي تعتمد على قيادة الفرق متعددة الجنسيات، حيث تتقاطع الخلفيات الثقافية وأساليب التواصل المختلفة داخل الفريق الواحد.
ولذلك، لا ينبغي ترك بناء الثقة للصدفة، بل يجب العمل على تهيئة الظروف التي تساعدها على النمو رغم البعد الجغرافي. ويبدأ ذلك بالاستثمار في اللقاءات الحضورية في المحطات الأكثر أهمية، مثل انضمام الموظفين الجدد، أو انتقال الفرق إلى مرحلة جديدة، أو عند تراجع مستوى الثقة، أو أثناء تنفيذ تغييرات استراتيجية كبيرة.
أما خلال الفترات الفاصلة بين هذه اللقاءات، فيجب ترسيخ بيئة تتسم بالاستقرار والوضوح، من خلال تحديد توقعات واضحة، والالتزام بالوعود، والحفاظ على تواصل منتظم وموثوق، بما يعزز شعور الموظفين بالأمان والثقة. ويُعد هذا من أهم المبادئ التي تجيب عن سؤال: كيف تبني الثقة في الفرق الموزعة في دول مجلس التعاون الخليجي، إذ إن الثقة لا تُبنى عبر الاجتماعات وحدها، بل من خلال الاتّساق في التواصل، والشفافية، والالتزام المستمر.
وتؤكد التجربة أن الفرق التي التقى أفرادها شخصيًا، ولو لمرة واحدة فقط، تعمل بطريقة مختلفة تمامًا عن تلك التي لم تتح لها هذه الفرصة. فتنظيم لقاء حضوري واحد، يُخطط له بعناية في بداية تشكيل الفريق، قد يحقق أثرًا يفوق ما يمكن أن تحققه معظم الاستثمارات في الأدوات الرقمية، مهما بلغت كفاءتها.
تميل الشركات سريعة النمو إلى التركيز على كمية التواصل أكثر من جودته. والنتيجة أن الفرق الموزعة تغرق في سيلٍ من الرسائل، لكنها تفتقر إلى الوضوح والتوافق الذي يضمن عمل الجميع في الاتجاه نفسه.
ويزداد هذا التحدي تعقيدًا في دول مجلس التعاون الخليجي بسبب خصوصية بيئة العمل في المنطقة. ففي معظم دول الخليج يمتد أسبوع العمل من الأحد إلى الخميس، بينما تجد الفرق التي تتعامل مع شركاء إقليميين أو عالميين نفسها مضطرة للعمل وفق جدول يمتد من الاثنين إلى الجمعة. كما تختلف مواعيد العطلات الرسمية من دولة إلى أخرى؛ فالإجازات في الإمارات لا تتطابق دائمًا مع السعودية، كما تختلف أيضًا في قطر والكويت. ويؤثر شهر رمضان كذلك في ساعات العمل بطرق متفاوتة بحسب الدولة والقطاع وطبيعة الفريق.
وعندما لا تراعي الفرق الموزعة في دول مجلس التعاون الخليجي هذه الاختلافات، فإنها تميل تلقائيًا إلى تبنّي نمط العمل الخاص بالموقع الذي يضم أصحاب القرار أو المناصب الأعلى، وهو ما يعني أن تضطر بقية الفرق للتكيف مع جدول زمني لم يُصمم أساسًا لظروفها.
وما يحقق النتائج ليس كثرة التواصل، بل انتظامه. فاجتماع أسبوعي ثابت يلتزم به الجميع يخلق قدرًا من التوافق يفوق ما يمكن أن تحققه عشرات التحديثات العشوائية. وبالمثل، فإن مستندًا مشتركًا تنشر فيه كل جهة ملخصًا لأبرز مستجداتها كل أسبوعين، يسهم في بناء ذاكرة مؤسسية يصعب أن توفرها الرسائل المتناثرة داخل تطبيقات المحادثة.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو اللغة. فكثير من شركات الخليج لا تتعامل مع هذا الملف بالقدر الكافي من الاتساق. فاللغة الإنجليزية هي اللغة الأساسية لمعظم الاتصالات المهنية في المنطقة، لكنها ليست اللغة الأم إلا لشريحة محدودة من العاملين. وفي الفرق الموزعة، يميل الموظفون الأكثر طلاقة في الإنجليزية إلى قيادة النقاشات غير المتزامنة، لأنهم يكتبون بسرعة أكبر ويعبرون عن أفكارهم بثقة أعلى. ومع مرور الوقت، يتحول هذا إلى خلل هيكلي يؤثر في فرص المشاركة، ويحدد من تُسمع آراؤه ومن يبقى صوته أقل حضورًا.
هناك مجموعة من الخصائص التي تميز العمل الهجين في الخليج، ولا تأخذها في الاعتبار كثير من النصائح العامة القادمة من الولايات المتحدة أو أوروبا بشأن إدارة الفرق الموزعة.
فالقوى العاملة في دول مجلس التعاون تُعد من أكثر القوى العاملة تنوعًا على مستوى الجنسيات. ففي دولة الإمارات يشكل المقيمون الأجانب نحو 90% من إجمالي القوى العاملة، كما تسجل قطر والكويت نسبًا مرتفعة مشابهة. أما في المملكة العربية السعودية، فتؤدي برامج التوطين المتسارعة إلى تغييرات مستمرة في تركيبة القوى العاملة.
وهذا يعني أن الفريق الموجود في موقع واحد يتعامل أصلًا مع تنوع ثقافي ولغوي واسع، حتى قبل أن يواجه تحديات التوزع الجغرافي. وعندما تمتد الفرق عبر عدة دول، تزداد التعقيدات مع اختلاف العطلات الرسمية، والأنظمة القانونية الخاصة بالموارد البشرية، والعادات المحلية المتعلقة بالتسلسل الإداري، وأساليب تقديم الملاحظات، ومستوى الصراحة في التواصل. ولهذا أصبحت قيادة الفرق متعددة الجنسيات مهارة أساسية للمديرين الذين يعملون في بيئة الأعمال الخليجية.
كما أن مبادرات التوطين، مثل رؤية السعودية 2030 وبرنامج التوطين (Emiratisation) في دولة الإمارات، جعلت طبيعة الكفاءات وأساليب الإدارة في مكتب بالرياض تختلف بصورة ملموسة عن تلك الموجودة في مكتب بدبي. فالمدير الذي يحقق نجاحًا في إحدى البيئتين قد يحتاج إلى دعم إضافي لينجح بالقدر نفسه في الأخرى، لأن أساليب الإدارة، وثقافة التغذية الراجعة، وتوقعات الموظفين تجاه التسلسل الإداري تختلف من مكان إلى آخر، وتنعكس هذه الفروقات على العمل بصورة أسبوعية. ومن هنا تبرز أهمية تطوير القيادة في بيئة العمل الهجين، حتى يتمكن المديرون من التعامل مع هذه الاختلافات بكفاءة.
ولا يزال الحضور الفعلي إلى مقر العمل يحمل في الخليج قيمة ثقافية أكبر مما هو عليه في كثير من الأسواق الغربية. ويعكس هذا التفضيل طبيعة العلاقات المهنية في المنطقة، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التواصل المباشر. ولذلك، فإن نماذج العمل الموزع التي تتعامل مع الحضور إلى المكتب باعتباره خيارًا شخصيًا بالكامل، من دون مراعاة هذا البعد الثقافي، غالبًا ما تفرز ثقافة مؤسسية من مستويين: دائرة مترابطة في المركز، وأخرى معزولة على الأطراف.
عندما تتوزع الفرق على مواقع مختلفة، يتغير دور المدير في الفرق الموزعة من مجرد مشرف على الأداء إلى حلقة وصل تجمع الأفراد ببعضهم وبالمؤسسة. فأهم ما يقوم به ليس متابعة المهام اليومية، بل الحفاظ على البيئة التي تجعل الموظفين يشعرون بأنهم جزء من كيان واحد، ويعرفون أين يجدون المعلومات، ويثقون بأن جهودهم محل تقدير، ويؤمنون بأن المؤسسة تتعامل معهم بعدالة وشفافية.
ويتطلب هذا الدور مهارات تختلف عن تلك المرتبطة بالإدارة التقليدية، وهي مهارات لم تستثمر فيها كثير من الشركات الخليجية بالشكل الكافي حتى اليوم.
والمديرون الذين ينجحون في هذا الدور يشتركون في عدد من الممارسات الواضحة؛ فهم يحرصون على إنشاء طقوس ثابتة لتعزيز التواصل بين أعضاء الفريق، ويعقدون اجتماعات دورية لا تقتصر على متابعة سير العمل، ويخصصون لقاءات فردية تتجاوز مناقشة المهام اليومية إلى الاهتمام بالموظف نفسه. كما يحرصون على مشاركة المعلومات والسياقات غير الرسمية بشكل استباقي، بدلًا من انتظار أن يطلبها الآخرون، ويمثلون أعضاء فرقهم ويدافعون عن مصالحهم في الاجتماعات التي لا يحضرونها.
قد تتمكن إدارات الموارد البشرية من تصميم السياسات والأطر التنظيمية، لكن بناء الثقة وتعزيز شعور الانتماء داخل الفريق يتوقف في النهاية على القرارات اليومية التي يتخذها المدير. فالمنظومة تدعم المدير، أما المدير فهو من يصنع الفريق، وهذا هو جوهر "كيف تبني الثقة في الفرق الموزعة في دول مجلس التعاون الخليجي".
وفي نهاية المطاف، فإن الشركات التي تنجح في إدارة الفرق الموزعة في دول مجلس التعاون الخليجي هي تلك التي تعتبر بناء الثقة بين المواقع المختلفة أولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن تحقيق الإيرادات، وتقيسها بالجدية نفسها، وتحاسب المديرين على تعزيزها والمحافظة عليها. أما بقية التفاصيل، فهي مجرد جوانب تنفيذية تأتي لاحقًا. فهذه القناعة يجب أن تسبق كل شيء.
— Saran Babu Paramasivam
المدير الإقليمي لشركة Zoho في الشرق الأوسط وأفريقيا (MEA)